ذكر مجتبى تويسرکاني أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تكشف عن قوة أكثر هدوءًا للذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يستطيع تحويل التقارير المتلاحقة إلى سيناريوهات مستقبلية تبدو معقولة، وإعادة تشكيل توقعات المواطنين، وما يعتقد القادة أنهم يستطيعون تحمّل كلفته سياسيًا، وما يستعد الخصوم لمقاومته، من دون أن يختلق حقيقة واحدة.


ووفقًا لما نشره ميدل إيست مونيتور، فإن سؤال «ماذا سيحدث بعد ذلك؟» قديم قدم الحروب نفسها، لكن الجديد هو أن أي شخص تقريبًا يستطيع الآن أن يطلب من آلة بناء إجابة بينما لا تزال التقارير تتوالى. فعندما يُسأل روبوت محادثة متصل بالويب عما قد يحدث بعد جولة أخرى من الضربات الأميركية على إيران، قد يعرض عدة سيناريوهات مرتبة، من بينها رد إيراني في الخليج العربي، واتساع نطاق المواجهة الإقليمية، وصدمة في أسواق الطاقة، أو التوصل إلى مخرج تفاوضي.


هذه ليست تقارير عن أحداث ثبت وقوعها، بل مستقبلات يجري بناؤها. فالنظام لا يكتفي باسترجاع معلومات عن القدرات والنوايا والسلوك السابق، وإنما ينتقي الحقائق، ويربط بينها سببيًا، ويكوّن عوالم لم توجد بعد.

ويستطيع المستخدم تغيير الافتراضات: ماذا لو ضيّقت واشنطن أهدافها؟ وماذا لو صعّدت إسرائيل بينما سعت الولايات المتحدة إلى الخروج من المواجهة؟ وقد كُتب الكثير عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الاستهداف العسكري والدعاية الاصطناعية، لكن التغيير الأعمق يكمن في تحول الآلات إلى منتج يومي للمستقبلات التي تُقاس الحرب من خلالها. فلم تعد الحرب الأميركية الإيرانية تُراقب وتُنقل أخبارها ويُبحث عنها فحسب، بل أصبحت أيضًا قابلة للاستعلام.


تصنيع الاحتمالات وتحويل المستقبل إلى سلعة


جعل التلفزيون الحروب البعيدة مرئية، وأتاح البحث الوصول إلى المعلومات المتعلقة بها، بينما جعلت وسائل التواصل الاجتماعي الحرب فورية وتشاركية وقابلة للانتشار السريع.

 

ويضيف الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرة مختلفة، إذ يتيح للمستخدمين مساءلة التقارير، وتغيير الافتراضات، ومحاكاة ما لم يحدث. ويسترجع محرك البحث مصادر تتعلق بالعالم، بينما يستطيع النظام التوليدي تركيب عالم محتمل. وهكذا لا يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد قناة للمعلومات، وإنما باعتباره وسيلة جماهيرية لإنتاج الاحتمالات.


وعندما شنت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، لم يكن «تشات جي بي تي» قد ظهر بعد، كما كانت العديد من روبوتات المحادثة الأولى تعتمد على قواعد بيانات تدريبية ذات آفاق زمنية محدودة. أما الآن، فتستطيع المساعدات الرقمية الرائدة البحث في الويب، كما تستطيع مهام المراقبة المجدولة إعادة طرح سؤال محدد وإخطار المستخدم عند حدوث تغيير مهم.

 

وهكذا يمكن للاستعلام أن يتجاوز حدود المحادثة نفسها، إذ يفوض المستخدمون الأنظمة في تفسير الأحداث واتخاذ قرارات بشأن ما يستحق المتابعة. ويتقلص الفاصل الزمني بين الحدث والتقرير والاسترجاع وبناء السيناريو. ويقدم النموذج أنماطًا سببية موروثة، بينما يوفر البحث عبر الويب محفزات حديثة، بما يسمح بتحويل الحدث إلى مستقبل موصوف قبل أن تستقر الأدلة.


ولا تزال هذه الممارسة محدودة الانتشار. وأظهر تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 أن الاستخدام الأسبوعي لروبوتات المحادثة للحصول على الأخبار ارتفع من 7 إلى 10 في المئة، بينما لم يتعامل معها سوى 1 في المئة باعتبارها مصدرهم الرئيسي للأخبار.


لكن 42 في المئة من مستخدمي روبوتات المحادثة للحصول على الأخبار يطرحون أسئلة متابعة. وهم لا يطلبون العناوين فحسب، بل يستجوبون ما تعنيه الأخبار وإلى أين يمكن أن تقود. فالتخطيط الاستراتيجي للمستقبل ليس جديدًا، وإنما الجديد هو إتاحة الاستعلام عنه على نطاق جماهيري.
وهكذا يخرج بناء السيناريوهات من المؤسسات المتخصصة ويدخل إلى الاستهلاك اليومي للأخبار.


ويمكن تسمية هذه الظاهرة بـ«تضخم الاحتمالات»، إذ أصبح إنتاج مستقبلات متماسكة أرخص بكثير من تدقيقها. ويستطيع روبوت المحادثة توليد سيناريو جديد خلال ثوانٍ، بينما قد يستغرق اختبار افتراضاته وما أغفله واحتمالاته ساعات، بل قد يصبح ذلك مستحيلًا أثناء اندلاع الصراع.

وبالتالي، يتوسع عرض المستقبلات القابلة للاستخدام السياسي بوتيرة أسرع من قدرتنا على ترتيبها بحسب الاحتمال.


ولا يعني امتلاك النظام إمكانية الوصول إلى الويب أنه يمتلك صورة كاملة عن الحاضر. فقد يعيد النظام صياغة سؤال المستخدم إلى عمليات بحث، ثم يسترجع جزءًا من سجل معلوماتي غير متكافئ ويرتبه، قبل أن يقرر أي مستقبلات سيبنيها انطلاقًا منه.

 

وأظهر تقييم إخباري أُجري في اليوم نفسه وشمل ستة روبوتات محادثة تجارية أن أكثر من 70 في المئة من أخطائها ارتبطت بعملية الاسترجاع وليس بالاستدلال، كما كشف عن انحياز نحو المصادر الناطقة بالإنجليزية.


وبذلك تحدث عملية الاختيار مرتين: أولًا بين المصادر، ثم بين المستقبلات التي تُبنى انطلاقًا منها. وتخفي الواجهة غيابين لهما تبعات سياسية: المصادر التي لم يسترجعها النظام، والمستقبلات التي لم يعرضها. وقد يتحول الدليل المُغفل إلى مستقبل مُغفل.


ولنتخيل إجابتين مبنيتين على الأدلة نفسها بشأن الصراع الأميركي الإيراني. قد تركز الأولى على حرب استنزاف طويلة، واتساع نطاق التصعيد الإقليمي، والاضطراب الاقتصادي، ثم الوصول في نهاية المطاف إلى طريق مسدود يجري حله عبر التفاوض. بينما تركز الثانية على إنهاك القدرات العسكرية الإيرانية، واستعادة الردع الأميركي، وزيادة الضغوط التفاوضية، وتقديم تنازلات في نهاية المطاف.


ولا تحتاج أي من الإجابتين إلى اختلاق حقيقة. ومع ذلك، تجعل الأولى استمرار استخدام القوة يبدو عديم الجدوى بصورة متزايدة، بينما تجعل الثانية التكاليف نفسها تبدو ثمنًا لم يكتمل دفعه بعد للوصول إلى النصر.


ويكمن الاختلاف السياسي بينهما في التركيز والترتيب والنقطة التي تنتهي عندها كل قصة سببية. ونادرًا ما يحصل المستخدم على أساس يمكن الدفاع عنه لترجيح السيناريوهات المعروضة.

 

وإذا جرى توليد عدد كافٍ من المستقبلات المتماسكة، فقد يبدو أحد السيناريوهات الكارثية على الأقل محتملًا بدرجة تستدعي القلق. ولا يشترط أن يكون هذا السيناريو هو الأكثر احتمالًا، إذ يكفي أن تبدو تداعياته خطيرة بما يجعل عدم الاستعداد له تصرفًا غير مسؤول. فزيادة الأخطار القابلة للتخيل لا تعني بالضرورة زيادة الخطر الفعلي، لكن السياسة قد تتفاعل مع الاثنين. ويستطيع النموذج تغيير سياسة الحرب من دون اختلاق حقيقة واحدة، وإنما بمجرد تغيير قائمة المستقبلات المتاحة.


عندما تتحول «قد» إلى «يجب»


قد تحدث النقلة الحاسمة داخل مجموعة صغيرة من الأفعال نفسها. فقد تأتي الإجابة على النحو الآتي: تستطيع إيران تعطيل حركة الملاحة في الخليج العربي. وقد تفعل ذلك إذا استمر الضغط عليها. وإذا استمرت المواجهة، يصبح هذا التعطيل مرجحًا. ولذلك يجب على الولايات المتحدة منعه.

 

وعندها تبدو الضربة الاستباقية مبررة. لكن «يستطيع» تصف القدرة، و«قد» تحدد الاحتمال، و«مرجح» تقدم حكمًا احتماليًا، بينما تضيف «يجب» توصية سياسية، وتؤكد «مبررة» مشروعية الفعل. ولا تستلزم هذه الفئات بعضها بعضًا. فالقدرة ليست احتمالًا، والاحتمال ليس ضرورة، والضرورة لا تصنع المشروعية.


وقد يجعل النثر الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي الانتقال بين هذه الفئات يبدو سلسًا بلا عوائق. إذ يستطيع أن يملأ كل فجوة بالأسباب والسوابق والتحفظات، إلى أن يصل خطر محتمل في صورة ضرورة سياسية تستدعي التحرك.

 

ولا تعمل هذه الآلية بالضرورة في اتجاه التصعيد؛ فقد يستنتج النموذج، على سبيل المثال، أن المزيد من الضربات قد يوسع نطاق الحرب، وأن الخطر قد يصبح غير مقبول، وأن على القادة لذلك التفاوض. وتكمن قوة الذكاء الاصطناعي هنا في تغيير العتبة التي يتحول عندها المستقبل المحتمل إلى سبب لاتخاذ إجراء في الحاضر.


وتؤدي المقارنات التاريخية دورًا مشابهًا في صورة مختصرة. فالمقارنة التاريخية عبارة عن سيناريو أُلحق به ختام جاهز؛ فإذا وُصفت أزمة ما بأنها «ميونخ»، بدا ضبط النفس شبيهًا بالاسترضاء، وإذا وُصفت بأنها «فيتنام»، بدا الإصرار شبيهًا بالتورط.


ولا تكفي الاستشهادات لوقف هذه الحركة. فقد تقدم الإجابة مصادر دقيقة بشأن مدى الصواريخ وتدفقات النفط وانتشار القوات والتصريحات الرسمية والسلوك السابق، لكن هذه المصادر تستطيع دعم مقدمات السيناريو، ولا تستطيع التصديق على المستقبل الذي بُني انطلاقًا منها.

 

كما أن حداثة التقرير لا تضمن صحته وسط ضباب حرب لا تزال تتطور. فالمصادر توثق الطوب، لكنها لا تصادق على البيت. ويمكن مساءلة محلل معروف بشأن افتراضاته ومنهجيته، بينما قد تحمل إجابة روبوت المحادثة سلطة من دون وجود متنبئ يمكن مساءلته. فتماسك السرد لا يعني دقة التنبؤ.


ولماذا ينبغي أن يؤثر ذلك في الحرب؟ لأن الحروب تُحكم عليها استنادًا إلى المستقبل. وأظهرت أبحاث حول دعم الأميركيين للحروب أن توقعات تحقيق النصر في نهاية المطاف تؤثر في استعداد الجمهور لتحمل الخسائر البشرية. كما أظهرت تجارب تتعلق بالإقناع السياسي أن الرسائل التي ينتجها الذكاء الاصطناعي تستطيع تغيير المواقف، وإن كانت هذه التجارب لا تختبر سيناريوهات الحروب.


وأظهر استطلاع أجرته رويترز وإبسوس في أغسطس أن 50 في المئة من الأميركيين توقعوا أن يؤدي التحرك العسكري الأميركي إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة، مقابل 17 في المئة توقعوا مزيدًا من الاستقرار، بينما أيد 35 في المئة الحرب.

 

ولا تشير هذه الأرقام إلى مسؤولية الذكاء الاصطناعي عن تلك المواقف، لكنها توضح البيئة التي قد يصبح فيها مؤثرًا: فحكم الجمهور على الحرب يتضمن جزئيًا حكمًا على المستقبل.


ولا يسير الطريق من إجابة أو تنبيه خاص إلى السياسة في مسار تلقائي أو واحد. فهذه التفاعلات الخاصة والشخصية تمر عبر عدد محدود من الأنظمة، وقد تظهر آثارها في استطلاعات الرأي والطلب على التغطية الإعلامية وخطابات الأحزاب وحملات التعبئة. كما يوفر الوسطاء المهنيون مسارًا آخر.

 

وأظهر مسح واسع التمثيل للصحفيين البريطانيين أن 56 في المئة منهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي مهنيًا مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا، ووثق المسح استخدامه في البحث عن القصص وتوليد الأفكار وصياغة المواد. ويمنح ذلك الذكاء الاصطناعي موقعًا داخل الأسئلة والأطر والنصوص التي تصل عبرها السيناريوهات إلى جمهور أوسع.


وقد يستخدم المحللون والمسؤولون هذه الأنظمة لاختيار السيناريوهات الطارئة التي ينبغي إدراجها في الإحاطات والاستعدادات. وبدأت أبحاث حديثة حول «الاستشراف الاصطناعي» في دراسة الكيفية التي يمكن أن تعيد بها سيناريوهات الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل عملية اتخاذ القرار الاستراتيجي أثناء الأزمات.


لكن ما يهم هو الإذن السياسي. فالرأي العام لا يصدر أوامر إلى القادة، لكنه يغير الكلفة السياسية المتوقعة لقراراتهم. وقد توسع توقعات الانتصار هامش المناورة أمام التصعيد أو مواصلة الحرب، بينما قد تضيق توقعات الجمود أو الألم الاقتصادي أو الفوضى الإقليمية هذا الهامش.

 

ولا يشترط أن يثق القائد شخصيًا في سيناريو أنتجه الذكاء الاصطناعي، إذ يتخذ القادة قراراتهم بناءً على توقعاتهم لما سيفعله الآخرون: ما الذي سيتحمله الناخبون؟ وهل سيبقى الحلفاء ملتزمين؟ وكيف ستتفاعل الأسواق؟ وماذا يعتقد الخصم أن الجماهير المحلية قادرة على تحمله؟

 

ويكتسب المستقبل الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي قوة عندما يعتقد الفاعلون أن أطرافًا أخرى بدأت بالفعل في تنظيم سلوكها على أساسه.

 

المستقبل الذي يصنع واقعه بنفسه


لنتخيل أن سيناريو حرب الاستنزاف أصبح حاضرًا بقوة في إجابات روبوتات المحادثة وفي النقاش العام. عندها قد يخفض المواطنون توقعاتهم بشأن النصر، ويتوقع القادة الأميركيون تراجع الدعم، فيسعون إلى الخروج من المواجهة. وقد يستنتج صانعو القرار الإيرانيون أن الانتظار قد يحسن موقفهم. ويؤدي استمرار المقاومة إلى إطالة المواجهة، بما يدفع الأحداث نحو السيناريو نفسه.


لكن يمكن أن تعمل الحلقة في الاتجاه التصعيدي أيضًا. فقد تتحول الإجراءات الاحترازية إلى تحركات عسكرية يمكن رصدها، ويقرأها الخصم باعتبارها نوايا عدائية، فيرد عليها، وبذلك تبدأ التوقعات التي صاغها النظام في التأثير في الواقع الذي كانت تحاول توقعه.


وتظهر حلقة ثانية على المستوى المعلوماتي. فعندما يُنشر تحليل بمساعدة الذكاء الاصطناعي، قد يدخل هذا التحليل إلى السجل القابل للاسترجاع الذي تستخدمه الأنظمة لإنتاج إجابات لاحقة.

 

وبالتالي، قد تبحث أنظمة الذكاء الاصطناعي في بيئة معلوماتية ساهمت هي نفسها جزئيًا في كتابتها. وقد يؤدي التكرار إلى زيادة قابلية الاسترجاع من دون أن يؤدي إلى زيادة الاحتمال.


ولا توجد أدلة متاحة تثبت أن إجابات روبوتات المحادثة تسببت في قرار محدد اتخذته الولايات المتحدة أو إيران أو إسرائيل في هذه الحرب. ولذلك، فإن الطرح هنا يحدد آلية ناشئة، ولا يقدم حكمًا بأثر رجعي. ومع ذلك، يمكن لمستقبل متخيل يدفع إلى اتخاذ إجراء أن يبدأ في إنتاج الأدلة الخاصة به.

 

وقد نشأ «ضباب الحرب» التقليدي من نقص المعلومات الموثوقة. وربما تقلل الأنظمة التوليدية بعض هذا الضباب عبر الاسترجاع والتركيب، لكنها تضيف مشكلة أخرى: عددًا هائلًا من المستقبلات المتماسكة، مع قلة الأسس التي تسمح بترتيبها وفقًا لاحتمالاتها.


ولا تكمن المهمة في قمع السيناريوهات، وإنما في الحفاظ على الفصل بين القدرة والاحتمال، وبين الاحتمال والرجحان، وبين الرجحان والتوصية، وبين التوصية والمشروعية. والسؤال الحاسم ليس فقط أي مستقبلات يمكن توليدها، وإنما أي مستقبل سيكتسب قدرًا كافيًا من السلطة بحيث يعيد تنظيم الحاضر.


في الحرب القابلة للاستعلام، تكمن القوة في المسافة اللغوية بين «قد يحدث» و«يجب أن يحدث».

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260813-the-queryable-war-when-ai-turns-could-into-must/